ها هى الأمور بدت واضحة وجلية ولا تحتاج إلى جهود فى الشرح والتفسير والتحليل، فموقف النظام والذين معه من أى بادرة تغيير حتى لو بعيدا عن المتون، حتى ولو فى أقصى أقاصى هوامش الحياة السياسية، هو موقف ثابت لا يتغير ولا يتبدل، موقف رافض لأى فكرة أو شخص أو موقف يمكن أن يذهبوا بنا إلى أى مناطق جديدة فى الحياة السياسية الراكدة والتى تقترب من حالة العفونة بسبب طول فترة الركود.
فبمجرد أن أصدر الدكتور محمد البرادعى بيانا يعلن فيه بخجل شديد ما يشبه الرغبة فى الترشح للرئاسة وفق ضوابط وشروط طبيعية، حتى انطلقت سهام الرفض من كل حدب وصوب ضد الرجل وضد أفكاره وضد تاريخه، وللمؤسف ضد وطنيته وعروبيته أيضا، ولم يخجل الذين أطلقوا السهام على الرجل من صنع أكاذيب لا تصدق، أكاذيب تسيىء لفهمهم قبل أن تسيىء له، أكاذيب تبدأ من منحه الجنسية السويدية ولا تنتهى عند موقفه من عراق صدام حسين، أكاذيب تتناقض مع نفسها، فهناك من قال إنه يعمل مع الأمريكان، وهناك من ادعى أنه يرعى المصالح الإيرانية، وثالث أشار إلى أنه مع إسرائيل، وجميعها بلا سند أو دليل أو حتى منطق يقبله أى عقل ساذج، فالمنطق هنا غائب، لأن الدافع المتوحش من ترويج هذه الأكاذيب هو اغتيال الرجل ومصداقيته ومواقفه، لأنه تجرأ وحاول التفكير بصوت مرتفع مع بعض الأصوات التى طالبته فى مصر بالتقدم بالترشيح لمنصب الرئاسة.
ماكينة النظام الإعلامية، احتشدت بكامل قوتها، وبجميع أدواتها، بمجرد وصول البيان إلى القاهرة وقبل أن يعرف البعض محتوى البيان، علقوا عليه وعلقوا المشانق للرجل، الذى على ما يبدو أنه لا يعرف مصر جيدا، كما اتهمه البعض، فالأكيد أن الرجل لا يتوقع أن يكون هناك من يتحدى العقل والمنطق ونحن فى نهاية العقد الأول من قرن جديد لا يعترف بفكرة الأسرار أو إخفاء المعلومات أو قطع الطريق على التواصل المعرفى، والرجل ديبلوماسى قد يعرف ما يدور فى مطبخ السياسة العالمى ويلامسه بيديه منذ ما يقرب من 40 عاما، لكن من الواضح أن طيبة الرجل غيبت عنه التفكير فى أنه مازالت هناك قوى شر مسحورة بالسلطة لا تعمل إلا من أجل سيدها حتى لو اتهمها أحد بالقصور فى التفكير وبالجهل فى الكثير من الأمور.
والمشكلة الحقيقية التى كشفت عنها أزمة بيان البرادعى، أن هذا النظام على اتساعه، موافق ومعارض، طيب وشرير، حكيم وأحمق، عالم وجاهل لا يرغبون مطلقا فى أى تغيير من أى نوع، وأن التغيير بالنسبة لهم كارثة يجب مواجهتها قبل أن تقع، وأزمة يجب العمل على وأدها وهى فى مهدها، فبيان الرجل هو أقرب إلى الاعتذار منه إلى القبول، ومع ذلك لم يستطع النظام صبرا على موقف أخير للرجل، وقرر رجمه بأقسى أنواع الحجارة من البداية حتى يتراجع ويرحل عن فكرته ولا يقترب من أسوار السلطة فهى حكر على من يشغلها ولا يجوز ملامسة أطرافها أو حتى الدعوة لإعادة تنظيمها، أما التفكير فى التغيير فهذا هو الكفر بعينه الذى لا يمكن السكوت عليه أو الصمت على ما يدعو إليه.
والمؤسف أن حملة اغتيال البرادعى، لم تتوقف عند الذين يعملون لدى النظام، أو الذين يوافقون عليه ويتشددون

























